الشيخ عباس القمي

256

الأنوار البهية

فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين ، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك ، فقال لهم : ويحكم إني ( 1 ) أعرف بهذا الفتى منكم ، وأن هذا من أهل بيت علمهم من الله ومواده ( 2 ) والهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال ، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت من حاله ، قالوا له : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة ، فإن أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين ، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه ، فقال لهم المأمون : شأنكم وذاك متى أردتم . فخرجوا من عنده وأجمع ( 3 ) رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم وهو - يومئذ - قاضي الزمان ( 4 ) على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع ، فأجابهم إلى ذلك ، فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم ، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست ( 5 ) ويجعل له فيه مسور تأن ( 6 ) ففعل ذلك . وخرج أبو جعفر عليه السلام وهو - يومئذ - ابن سبع ( 7 ) سنين وأشهر ، فجلس بين المسورتين ، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم ، والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام ، فقال يحيى بن أكثم للمأمون : تأذن لي يا أمير المؤمنين أن اسأل أبا جعفر ؟ فقال له المأمون : استأذنه في ذلك ، فاقبل عليه يحيى بن أكثم ، فقال : أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ قال له أبو جعفر : سل إن شئت ، قال يحيى : ما تقول جعلني الله فداك في محرم

--> ( 1 ) في المصدر : ( إنني ) . ( 2 ) في المصدر : ( ومراده ) . ( 3 ) في المصدر : ( واجتمع ) . ( 4 ) في خ ل : ( القضاة ) . ( 5 ) الدست - صدر البيت ، أو المجلس . ( 6 ) المسوره : متكأ من الجلد . ( 7 ) في المصدر : ( تسع ) .